محمد بن جرير الطبري
124
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قرأ به . ( 1 ) ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال : " عثوت أعثو " ، ومن نطق باللغة الأولى قال : عَثِيت أَعْثَى " . والأخرى منهما : " عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا ، كل ذلك بمعنى واحد . ومن " العيث " قول رؤبة بن العجاج : وعاث فينا مستحل عائث : . . . مُصَدِّق أو تاجر مقاعث ( 2 ) يعني بقوله : " عاث فينا " ، أفسد فينا . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } قد دللنا - فيما مضى قبل - على معنى " الصبر " وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء . ( 3 ) فإذ كان ذلك كذلك ، فمعنى الآية إذا : واذكروا إذا قلتم - يا معشر بني إسرائيل - : لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد - وذلك " الطعام الواحد " ، هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم ، وهو " السلوى "
--> ( 1 ) " القراءة سنة ، ولا يقرأ بما قرأ به القراء " . لسان العرب ( عثى ) . ( 2 ) ديوانه " 30 . مستحل : قد استحل أموالهم واستباحها . والمصدق : هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس ، وهو وكيل الفقراء في القبض ، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده ، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع . قعث الشيء يقعثه : استأصله واستوعبه . وقعثه فانقعث : إذا قلعه من أصله فانقلع . ولم تذكر معاجم اللغة : " قاعث فهو مقاعث " ، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر ، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها ، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين : " قاعث فهو مقاعث " ، أي يحاول استئصال أموال الناس ، والناس يدافعونه عن أموالهم . ( 3 ) انظر ما مضى في هذا الجزء 2 : 11